ابو البركات
148
الكتاب المعتبر في الحكمة
الفلك التي تعين لها احيازا تسكن فيها وتتحرك إليها فقد سمى كل واحد منها طبيعة وفسر اسم الطبيعة بأنها القوة التي تفعل على سنن واحد من غير إرادة ولا معرفة فإنهم رأوا الأرض ابدا تهبط إلى حيزها من الأعالي التي ترتفع إليها على مسافة مستقيمة والماء يهبط من حيز الهواء والهواء يصعد من حيز الماء والنار من حيز الهواء كذلك أيضا لا تتوقف في حركاتها تلك وسكوناتها على روية ولا معرفة فان الحجر الهابط الطالب للحيز الأسفل لو لقى في طريقه ما يقف في وجهه « 1 » لما انحرف عنه متمما للهبوط وليس كذلك النار الصاعدة والماء الهابط فإنهما إذا لقيا حابسا عرجا عنه سائلين صعودا ونزولا والنار في ذلك أكثر من الماء اعني في هذا التعريج عن الصاد عن الوجهة إلى المقصود من الحيز لأن النار إذا ردها راد مقعر تعود هابطة حتى تجد مخرجا فتصعد منه والماء إذا صادف مقعرا سكن فيه ولم يعد صاعدا والنار لا تبقى نارا في غير حيزها الا باتصال مدد الاستحالة إليها وكل من الباقية يبقى في غير حيزه زمانا لا يستحيل ولا يفسد فيه والأكثر في ذلك الأرض ثم الماء ثم الهواء . وقد قيل إن هذه العناصر اربع هي الأرض والماء والهواء والنار فالأرض اكثفها ويليها الماء والنار الطفها ويليها الهواء ونرى خامسا هو الثلج فإنه في الكثافة بين الأرض والماء وقيل إن طبائعها اربع حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة ويحدونها بحدود لا نطيل بذكرها فقد قلنا في الحدود ان هذه وأمثالها من البسائط لا تحد بل يحد بها فتكون مبادى الحدود منها لأنها أوليات حسية لكن الحرارة والبرودة منها تقال باشتراك الاسم على أشد وأضعف كحرارة النار وحرارة الهواء وعلى مختلفات الذوات متشابهة عند الحس كحرارة النار وحرارة الشمس وحرارة الحيوانات فان الحار يقال عليها في اشتراك الاسم . قيل في الكلام القديم ان النار أربعة أصناف نار تأكل وتشرب ونار تشرب ولا تأكل ونار تأكل ولا تشرب ونار لا تأكل ولا تشرب وأرادوا بالنار الحرارة فالنار التي تأكل وتشرب هي الحرارة التي في الحيوانات التي بها يحيل المأكول
--> ( 1 ) سع - يقف في وجهه حركته .